ليس لديَّ ما أخبركِ به

رسالتان من إميل زولا إلى زوجته ألكساندرين زولا

ترجمة بهاء إيعالي

٩ فبراير ٢٠٢٥

الرسالة الأولى

وايبريدج، الأحد 7 أغسطس 1898

زوجتي العزيزة

إنَّها تمطرُ بغزارةٍ منذ البارحة؛ وبما أنَّني محبوسٌ هنا، دون أن أقدِر حتى على الخروج خطوة واحدة، فقد خطرت لي فكرة التحدُّثِ معكِ قليلًا، في انتظار رسالتك التي لن تصلني على الأرجح إلَّا مساء الغد، أي الاثنين. أودُّ أن أعطيكِ بعض التفاصيل عن الحياة التي أعيشها، رغم أنَّ صديقنا العزيز د. ديمولان ربَّما قد أعطاك فكرةً عنها. أنا أشبهُ بالمنعزِل داخل منزلٍ صغير، تخدمني خادمةٌ لا تعرفُ كلمةً فرنسيَّةً واحدة، وتديرهُ فتاةٌ من عائلة فيزيتلِّي[1]، ولا تعرفُ من الفرنسيَّة سوى القليل. في معظم الأحيان عليَّ التحدُّث بلغة الإشارات. أمضي الأيَّام دون أن أتفوَّه بكلمةٍ واحدة، ولم أخرج من المنزل منذ خمسة أيَّام. المنطقة ذات جمالٍ خلَّاب، مروجٌ لا نهاية لها، مزروعةٌ بأشجار عملاقة. وحده الطقسُ فظيع. حتَّى الآن لم أحظَ سوى بيومين من الشمس الصافية. هبَّت رياحٌ عاتية، ومن ثمَّ جاءت الأمطار لتزيد الوضع سوءًا. أسوأ ما في الأمر هو أنَّه لا يمكن للأمطار أن تهطُلَ دون أن تظهر على الفور ضبابات تتصاعدُ من الأرض. في الأساس، كلُّ هذا لا يزعجني كثيرًا، لأنَّك تعرفين أنَّني لا أكره هذا الطقس البارد، ولا أعاني إلَّا من وحدتي، من الشعور بالهجران في بلدٍ غريب.

لحسن الحظ، بدأت العمل يوم الخميس، وبالفعل كتبتُ عشرين صفحة من روايتي[2]. أستيقظ عند الثامنة مساءًا، أتناول فطوري في التاسعة، وهذا ما يتيحُ لي الجلوس في مكتبي قبل الساعة التاسعة. هذا ما يوفِّرُ لي صباحاتٍ جميلة، وقد بدأت كتابة روايتي بصفاءٍ ذهنيٍّ كبير. أصعب ما في الأمر هو قضاء فتراتِ ما بعد الظهر والمساء. أقرأُ قليلًا من الكتبِ التي  استعرتُها؛ ولكنَّ هذا يثيرُ توتُّري أكثر ممَّا يخفِّفه. ومن ثمَّ فأنا لا أستطيعُ القراءة طوال الوقت. إنَّني أفتقدُ للصحف تمامًا حتَّى الآن؛ وقد رتَّبتُ الأمور كي أتلقَّى صحيفتي «L’Aurore» و «Le Siècle» على الأقل. ومع ذلك فقد أرسل لي فيزيتلِّي اليوم هاتين الصحيفتين، عددي يوم الجمعة، وبذلك علمتُ بعض الأخبار: إدانة صحيفة «Le Petit Journal»، ورفض الطعن الذي قدَّمناه، خاصَّة المستجدَّات الجديدة حول العلاقة ما بين إسترازي ودو باتي دو كْلام[3]. تبدو لي هذه التطوُّرات بالغة الخطورة بالنسبة لمعارضينا. أيًّا كان، أنتِ تعلمين أنَّني لستُ متفائلًا، ورأيي أنَّ النصر الحاسمَ ما زال بعيدًا جدًّا. لهذا أعيشٌ دائمًا في قلقٍ شديد، قلقٌ من عدم اليقين.

لا تقلقي بشأن ملابسي وحاجياتي الصغيرة: لم تنسي شيئًا، وكلُّ شيءٍ كاملٍ ويكفيني تمامًا حتَّى يحين لقاؤنا. قناعتي هي أنَّك، خلال أسبوعين أو ثلاثة، ستكونين حرَّةً وستتمكَّنين من السفر إلى إيطاليا. تدركين جيِّدًا أنَّ المحامين والقضاة أنفسَهم يتوقون بشدَّةٍ إلى الإجازات. لذا ستهدأ الأمور لبعض الوقت، وستكونين حرَّة. أرسلي لي العنوان الدقيق لبرتوليلي، فمن الأفضل أن أرسل رسائلي إليك عبره، داخل ظرفين، حتى لا يظهر اسمنا على الظرف الأول. في هذه الأثناء، سأكتبُ لكِ بانتظامٍ مرَّتين في الأسبوع، بالاستعانة بوسيطنا الطبيب الطيِّب[4]، إلَّا في الحالات الاستثنائيَّة بالتأكيد. يمكنكِ على سبيل المثال إرسال من يستلم رسائلي في باريس كلَّ ثلاثاءٍ وسبت. سيجنِّبكِ هذا السفر غير الضروري. أمَّا بالنسبة لكِ، احذري يوم الأحد، فالرسائل التي ترسلينها يوم السبتِ لن تصلني أبدًا إلَّا مساء الاثنين.

اشكري ابنة العمِّ على عرضها اللطيف بإرسال ابنها[5] إليَّ، والذي كما قلتِ لي تمامًا، لن يفيدني بشيء. قبِّليهم جميعهم بحنانٍ بالغ. – وابعثي إلى جميع الأصدقاء بأخبارَ طيِّبةٍ عنِّي، فبالمجمل، أنا في صحَّةٍ جيِّدةٍ جدًا، وأعيش الآن في هدوءٍ عميق، لا شيء سوى قلبي المسكين الذي ما زالَ ينزف.

الرسالة الثانية

وايبريدج، الأحد 11 أغسطس 1898

زوجتي العزيزة

أبدأ اليوم في إرسال رسائلَ منتظمةٍ مرَّتين في الأسبوع، بحيث تصلكِ واحدةً يوم الثلاثاء وأخرى يوم السبت. بهذه الطريقة، يمكنكِ بالتأكيد إرسال الرسائلَ إلى الطبيب، مما سيقلِّل من الإزعاج أيضًا.

سبَّبت لي رسالتك بتاريخ 7 أغسطس حزنًا، وهذا لظنِّي أنَّني لم أوضح ما لديَّ بشكلٍ جيِّد، حيث بدا لي أنَّني أزعجتك. ياه! يا إلهي! كم هي بعيدةٌ تمامًا عن ذهني فكرة أن أسبِّب لكِ الألم! لذا لا أرغب في العودة إلى تلك الأمور لأوضح ما لديَّ أكثر، لأنَّنا لم نمر أبدًا بلحظةٍ نحتاج فيها إلى أن نحبَّ بعضنا البعض ونتفاهمَ أكثر من الآن. فأدنى خلاف بيننا سيكون مروِّعًا ببساطة. ولهذا السبب أطلبُ بشدَّةٍ أن تفصحي لي دائمًا عن رغباتك، كي أحاولَ جاهدًا التماشي معها. دعينا نتَّفق على كلِّ شيءٍ كي نقلِّلَ حجمَ معاناتنا.

ها هي تسعة أيَّامٍ مضت ولم أخرج خلالها. يبدو أنَّهم تعرَّفوا عليَّ في الفندق الذي نزلتُ فيه مع فالنتان[6]. ثمَّة ملاحظة نُشرت في صحيفة، وأنا أتجنَّب إظهار نفسي من باب الحذر. – بالأمس أنهيتُ الفصل الأوَّل من روايتي وبدأت الفصل الثاني هذا الصباح. أنا سعيدٌ بعملي، وهذا ما سمح لي بعدم الموت من الملل في هذا المنزل المنعزل، حيث لا أتحدَّث ثلاث كلماتٍ في اليوم. لو باستطاعتي فقط الخروج والتجوُّل! حياتي مملَّةٌ للغاية، خاليةٌ من أيِّ حدث، حتَّى أنَّه ليس لديَّ ما أخبركِ به إطلاقًا. – أنتظرُ الأطفال هذا المساء؛ وسوفَ يضعون حدًّا لهذه الوحدة. غير أنَّني أشعر بشيءٍ من الندم لأنَّني جعلتهم يأتون، لأنَّهم لن يكونوا في حديقتهم الكبيرة في فيرنوي[7] ولا مع ألعابهم. والسماءُ رماديَّةٌ جدًّا! لا شكَّ أنَّني كنتُ أنانيًّا.

أنتِ على حقٍّ في الكتابة لي بحذرٍ شديد، دون ذكر أيِّ أسماء. لكنَّني سأكون في منتهى الامتنانِ لو تمكَّنتِ من إطلاعي قليلًا على أوضاعنا. لم أتلقَّ أيَّ صحيفةٍ بعد. بأيِّ حالٍ من الأحوال، ليست الأحداث العامَّة ما أرغبُ في معرفته، بل ما يفكِّرُ فيه لابوري، وما يتوقَّعه، وإلى أين يعتقدُ أنَّنا نتَّجه. – تقولين لي إنَّ المستقبل يُرعبُك. واحسرتاه! أنا أكثر تشاؤمًا منك، اسألي فالنتان عن قلَّة الأمل التي لدي. تبدو لي النهاية السعيدة بعيدةَ المنال كلَّ البعد، وأرى نفسي بعيدًا عن فرنسا لفترةٍ طويلة، إلَّا إذا عدتُ لأضحِّي بنفسي.

لهذا السبب أرغبُ بشدَّةٍ في رؤيتِك في جنوة، في نهاية سبتمبر أو في الأيَّام الأولى من أكتوبر، لأنَّه سيتوجَّب علينا التحدُّثَ بجديَّةٍ لاتِّخاذ قرارٍ ما.

أرسلتُ لكِ رسالة لورِنزو. وسلَّمتُ للابوري الكرَّاس الذي ذهبتِ مسافةً طويلةً لإحضاره. وأخيرًا، قد لا تكون الرسالة، والتي طُلِبَ منكِ البحث عنها بناءً على تعليماتي، موجودةً بعد الآن، لأنَّني ربَّما قمتُ بتمزيقها. لئن لم تكن في الأماكن الثلاثة التي ذكرتها، فمن المحتمل أن تكون بين الرسائل التي قمتُ بتجميعها على شكلِ رُزَم، والتي تعودُ إلى الفترة الواقعة ما بين 20 مايو إلى اليوم الذي غادرنا فيه قاصدين الريف. عدا عن ذلك، أكرِّر لكِ، فقد جرى إتلافها.

أنا بصحَّةٍ جيِّدةٍ جدًّا. غير أنَّ كلَّ هذه الأحداث الأخيرة أثَّرت بشدَّةٍ على أعصابي، لدرجة أنَّ عيناي تفيضان بالدموع لأبسط الأمور. لم أعد أعرف نفسي، كنتُ أظنُّ أنَّني أكثر شجاعة. عندما سينتهي كلُّ شيء – إذا انتهى – ياه! كم سأحتاج إلى هدوءٍ تام لأستعيد عافيتي تمامًا. ما يغيظني هو أنَّ حرِّيتي باتت مسلوبةً منِّي، لدرجة أنَّني لم أعد قادرًا على الخروج حتَّى في بلدٍ أجنبي، وأجدُ نفسي مُجبرًا على العيشِ منعزلًا، مختبئًا كأنَّني مجرم.

وأنتِ يا زوجتي المسكينة، أراكِ منهكةً ومتعبةً بسبب كلِّ تلك التجوُّلات في باريس، وكلُّ تلك العناية المعقَّدة التي عليكِ تقديمها. عليكِ أن تبذُلي الكثير من الحنان والتفاني كي تتمكَّني من تجاوز كلِّ هذا. وهذا ما يزيد من غضبي أكثر ضدَّ هذا الرحيل الغبي الذي فُرِضَ عليَّ فجأة. هل سيفيد هذا في شيء؟ أشكُّ في ذلك. بأيِّ حالٍ من الأحوال، علينا أن نعيش حتَّى آخر رشفةٍ من هذه الكأس. – أنا سعيدٌ بما قلتِه عن الخدم. من الواضح أنَّه من الجيِّد جدًّا وجودُ أشخاص مخلصين من حولك؛ من دونهم، كانت التعقيدات ستصبحُ أكثر صعوبة. قولي لهم إنَّني أفكِّر بهم، وأقدِّر إخلاصهم وتفانيهم تجاهك. – لا تنسي السيِّد بان، إذ لا يمكن الاستهانة برفقته خلال أيَّام الوحدة. إنَّه سريعُ الغضبِ مع الآخرين، لكنَّه يحبُّنا كثيرًا، ولا نشعر تمامًا بالوحدة عندما يخطو بجانبنا بخفَّة. امنحيه قبلة صغيرة منِّي، وأخبريه أنَّني لا أستطيعُ رؤية كلبٍ يعبرُ الطريق دون التفكير به.

تحلَّي بالشجاعة يا زوجتي العزيزة، وذكَّري نفسكِ أنَّ مثل هذه الفظاعة لا يمكنُ أن تدوم. ولئن استمرَّت، فعلينا أن نتقبَّل الأمر ونعيدُ ترتيبَ شؤوننا، وأن نستقرَّ في مكانٍ ما بأبسط شكلٍ ممكن. أصبحنا متقدمين في السنِّ الآن لنبدأ الحياة من جديد؛ وكل ما أطلبه هو أن أنهي أيَّامي بسلام، حتى لو كان ذلك في أبسط الأماكن وأكثرها تواضعًا.

أعتقدُ أنَّ لابوري نفسه سيذهبُ في إجازة. حاولي أن تستفسري منه قبل رحيله، ثم أخبريني بما يفكِّرُ فيه حيال المستقبل.

قلبي مثقلٌ جدًا لدرجة أنَّه ربما كان من الأفضل ألَّا أكتبَ لكِ اليوم. ولكن قولي لنفسكِ إنَّني بخير، وأن ما تبقى ليس سوى استثارة أعصابي المتعبة.

أشكركِ مجدَّدًا على كلِّ ما تقومين به يا زوجتي العزيزة، وأقبِّلكِ بشدَّة، بشدَّةٍ كبيرة، من كلِّ حناني، ومن أعماق قلبي.

[1] اعتبارًا من 1 أغسطس 1898، أقام زولا في منزلٍ صغيرٍ يُدعى «Penn» في منطقة وايبريدج بضواحي لندن. وكان مترجمه الإنكليزي إرنست فيزيتلي (1853-1922) يقدِّم له كلَّ ما يستطيع من مساعدة. وقد خصّص ابنته الكبرى فيوليت، البالغة من العمر خمسة عشر عامًا، لخدمته.

[2] الرواية المقصودة هنا هي رواية خصوبة” (Fécondité)، الرواية الأولى من رباعيَّة أربعة أناجيل” (Quatre Évangiles) الروائيَّة للكاتب.

[3] إشارةً إلى آخر تطوُّرات قضيَّة دريفوس: إدانة إرنست جوديه، مدير صحيفة Le Petit Journal (والذي كان زولا قد رفع عليه دعوى تشهيرٍ بسبب مقالاتٍ نشرها للطعن في سمعة والده)؛ ورفض الطعن بالنقض الذي قدمه فيرنان لابوري ضد حكم محكمة الجنايات في فرساي؛ بالإضافة إلى الكشف عن تفاصيل في الصحافة على يد جوزيف ريناك حول الروابط بين القائد دو باتي دو كْلام وإسترازي.

[4] الصديق المذكور هو د. جول لارا، والذي كان عنوان منزله في باريس يُستخدمُ كصندوق بريد.

[5] المقصود هو ألبير لابورد، نجلُ آميلي لابورد.

[6] إشارة إلى فندق أوتلاند بارك بالقرب من وايبريدج، حيث كان زولا قد نزل مع فرنان ديمولان (والذي كان يُعرفُ باسمِ السيِّد فالنتان) في نهاية شهر يوليو.

[7] المنزل الذي كانت تقيم فيه جين روزيرو، عشيقة زولا، في فيرنوي بالقرب من مِدان منذ عام 1896.

نشرة مونولوج البريدية 📬